محمد بن جرير الطبري
252
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال ابن شهاب : حدثني سعيد بن المسيب : أنه إن حلف رجل أن لا يكلم امرأته يوما أو شهرا ، قال : فإنا نرى ذلك يكون إيلاء ، وقال : إلا أن يكون حلف أن لا يكلمها ، فكان يمسها فلا نرى ذلك يكون من الإِيلاء . والفيء أن يفيء إلى امرأته فيكلمها أو يمسها ، فمن فعل ذلك قبل أن تمضي الأَربعة الأَشهر فقد فاء ؛ ومن فاء بعد أربعة أشهر وهي في عدتها فقد فاء وملك امرأته ، غير أنه مضت لها تطليقة . وعلة من قال : إنما الإِيلاء في الغضب والضرار ، أن الله تعالى ذكره إنما جعل الأَجل الذي أحل في الإِيلاء مخرجا للمراة من عضل الرجل وضراره إياها فيما لها عليه من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف . وإذا لم يكن الرجل لها عاضلا ، ولا مضارا بيمينه وحلفه على ترك جماعها ، بل كان طالبا بذلك رضاها ، وقاضيا بذلك حاجتها ، لم يكن بيمينه تلك موليا ، لأَنه لا معنى هنالك يلحق المرأة به من قبل بعلها مساءة وسوء عشرة ، فيجعل الأَجل الذي جعل المولي لها مخرجا منه . وأما علة من قال : الإِيلاء في حال الغضب والرضا سواء عموم الآية ، وأن الله تعالى ذكره لم يخصص من قوله : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بعضا دون بعض ، بل عم به كل مؤل مقسم ، فكل مقسم على امرأته أن لا يغشاها مدة هي أكثر من الأَجل الذي جعل الله له تربصه ، فمؤل من امرأته عند بعضهم . وعند بعضهم : هو مؤل ، وإن كانت مدة يمينه الأَجل الذي جعل له تربصه . وأما علة من قال بقول الشعبي والقاسم وسالم ، الإِيلاء أن الله تعالى ذكره جعل الأَجل الذي حده للمولي مخرجا للمرأة من سوء عشرتها بعلها إياها وإضراره بها . وليست اليمين عليها بأن لا يجامعها ولا يقربها بأولى بأن تكون من معاني سوء العشرة والضرار من الحلف عليها أن لا يكلمها أو يسوءها أو يغيظها ؛ لأَن كل ذلك ضرر عليها ، وسوء عشرة لها . وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك بالصواب مؤل من قال الإِيلاء : كل يمين منعت المقسم الجماع أكثر من المدة التي جعل الله المولي تربصها قائلا في غضب كان ذلك أو رضا ، وذلك للعلة التي ذكرناها قبل لقائلي ذلك . وقد أتينا على فساد قول من خالف ذلك في كتابنا " كتاب اللطيف " بما فيه الكفاية ، فكرهنا إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني تعالى ذكره بذلك : فإن رجعوا إلى ترك ما حلفوا عليه أن يفعلوه بهن من ترك جماعهن فجامعوهن وحنثوا في أيمانهم ، فإن الله غفور لما كان منهم من الكذب في أيمانهم بأن لا يأتوهن ثم أتوهن ، ولما سلف منهم إليهن من اليمين على ما لم يكن لهم أن يحلفوا عليه ، فحلفوا عليه ؛ رحيم بهم وبغيرهم من عباده المؤمنين . وأصل الفيء : الرجوع من حال إلى حال ، ومنه قوله تعالى ذكره : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما إلى قوله : حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ يعني : حتى ترجع إلى أمر الله . ومنه قول الشاعر : ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له * ومن حاجة الإِنسان ما ليس قاضيا يقال منه : فاء فلان يفيء فيئة ، مثل الجيئة ، وفيئا . والفيئة : المرة . فأما في الظل ، فإنه يقال : فاء الظل يفيء فيوءا وفيئا ، وقد يقال فيوءا أيضا في المعنى الأَول ، لأَن الفيء في كل الأَشياء بمعنى الرجوع . وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، غير أنهم اختلفوا فيما يكون به المؤلي فائيا ، فقال بعضهم : لا يكون فائيا إلا بالجماع الإِيلاء . ذكر من قال ذلك : حدثنا علي بن سهل الرملي ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، قال : الإِيلاء الفيء : الجماع . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو نعيم ، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، قال : الإِيلاء الفيء : الجماع . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا